نتنياهو و الاشتباك الماكروني الحزبلّاهي …؟ بقلم: علي شندب

فوجئت الأوساط المتابعة لمطالعة حسن نصرالله الدفاعية حيال مضبطة ماكرون الاتهامية للثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل وبقية القوى السياسية بإعلان تمسكه بالمبادرة الفرنسية والعمل على انجاحها بعد اجراء الإدارة الفرنسية المراجعة اللازمة لها، وقد كان المتوقع من نصرالله وكما جيّشت جيوشه الالكترونية بحملة “ماكرون الزم حدك”، أن ينعي المبادرة الفرنسية.

ففي اطلالته الأخيرة، كنّا أمام نصرالله لايت. حيث بدا زعيم حزب الله ومقارنة بالإدانة الماكرونية المبشّمة، شخصا ضعيفا مستكينا. بشهادة نبرة صوته المنخفضة، وضمور الحجّة التي لطالما حاول التفوق بها على أتباعه وأعدائه، كما وشت لغة الجسد اختفاء يديه تحت الطاولة وقتا طويلا مستقطعا، وكذلك غياب تأشيرات اصبعه التهديدية، التي لطالما كانت بمثابة النص الصامت الأكثر بلاغة في توجيه رسائل التهويل بالويل والثبور وعظائم الامور الى شركاء مفترضين في الوطن المفترض.

وقد ميّز خطاب نصرالله تضخيمه لحجم وقوة رؤساء الحكومة الأربعة وتصويرهم الندّ المستقوي بالمبادرة الفرنسية، والذين يريدون انتاج حكومة شبيهة بحكومة فؤاد السنيورة في 5 أيار 2008 التي تسببت بحسب نصرالله بغزوة 7 أيار، وقد قرأ استحضار نصرالله لحكومة السنيورة كتهديد واضح بـ 7 أيار جديد.

لكن اللافت في هجوم نصرالله على رؤساء الحكومة السابقين (الذين سبق وأبرم نصرالله معهم ومع بقية القوى السياسية الاتفاقيات على تقاسم السلطة ومغانمها ضمن معادلة أمّنت مساكنتهم على حساب الدستور لسنوات طويلة وهي معادلة “غطوا على سلاحنا نغطي على فسادكم”)، اتهامه لرؤساء الحكومة السابقين بالتعدّي على صلاحيات رئيس الجمهورية الشريك في تشكيل الحكومة والذي كان مطلوبا منه البصم على تشكيلة مصطفى أديب. لكن وبفضل موقف الثنائي الشيعي الذي طوّر طرفاه تسميته الى “الثنائي الوطني” لم يبصم رئيس الجمهورية، وكأن ميشال عون ليس هو القائل “يستطيع العالم سحقي، لكنه لا يستطيع أخذ توقيعي”، لكن نصرالله المتنبه جيدا لمقولة الرجل، أوصل عون الى قصر بعبدا منزوع التوقيع والأختام بشهادة البطريرك الراعي الذي طالب عون صراحة باستعادة الشرعية.

إنّه الاتهام لرؤساء الحكومة السابقين الذي حاول عبره نصرالله تضميد جراح “تفاهم مار مخايل” المتصدّع وتأجيل سقوطه. وقد بدا موقف نصرالله حيال دفاعه عن صلاحيات رئيس الجمهورية أشبه بمن يقدم رشوة وتمنينا للمسيحيين بالأمس عبر حمايتهم من داعش، واليوم بمنع رؤساء الحكومة السابقين من قضم صلاحيات الرئيس والتعدي عليها.

رغم هذا فقد غيّب نصرالله عن أطاريحه رفض رئيس الجمهورية تخصيص الثنائي الشيعي بوزارة المالية، كما غيّب أيضا رفض رئيس التيار الوطني الحر غير المختلف ايديولوجيا مع إسرائيل جبران باسيل لصيغة “المثالثة” التي يريد الثنائي فرضها على جوهر النظام السياسي من خلال حيازته على التوقيع الدستوري الثالث عبر تطويب وزارة المالية له.

بدون شك فان ما بعد انفجار مرفأ بيروت ليس كما قبله سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وماليا وعلى كل الصعد، لأن انفجار بيروت المقيّد حتى الان ضد مجهول، هو برأي وقناعة شرائح لبنانية واسعة نتيجة مؤكدة لمعادلة “غطوا على سلاحنا نغطي على فسادكم”، وهي المعادلة التي حاول نصرالله نفيها في حديثه الأخير.

لكنه النفي الذي اهتزت مصاديقه بين اللبنانيين، سيّما وأنه تزامن مع كلام لبنيامين نتنياهو اقتحم به الاشتباك الماكروني الحزبلاهي، واستعرض خرائط جديدة أمام الأمم المتحدة أيضا، حول مخازن ذخائر وصواريخ وأسلحة لحزب الله في عدة أحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت بينها منطقة الجناح التي سارع حزب الله لتنظيم جولة ميدانية لوسائل الاعلام اليها بهدف دحض المزاعم الصهيونية. وهي الجولة التي تذكر بجولة دبلوماسية سبق ونظمها جبران باسيل منذ عام مضى لنفي مزاعم نتنياهو، والتي أكد صحتها انفجار مرفأ بيروت الذي كان من بين المواقع التي ذكرها نتنياهو ولم تشملها جولة باسيل الدبلوماسية.

وقد أطلق إعلام الحزب بعد الجولة الإعلامية الميدانية، حملة لترويج نصر إعلامي يهدف لاثبات مصداقية حزب الله، وكذب وبهتان نتنياهو. علما أن نتنياهو ذكر أيضا عدة مواقع بينها محيط مطار بيروت، لكن الجولة الإعلامية شملت موقعا واحدا وليس كل المواقع المذكورة.

غداة انفجار مرفأ بيروت كتبنا مقالا عن “فدرلة مرافئ لبنان وربما مطاراته”، وقد أبدينا خشية لم تزل قائمة من انفجار يصيب مطار بيروت على غرار المرفأ. وقد عزّز خشيتنا كلام نتنياهو وخرائطه بالأمس.

ما لم نقله عن انفجار مرفأ بيروت بقوته ومساحته التفجيرية الهائلة، أنه يحمل في أحشائه رسالة تهديدية مباشرة لحزب الله خاصة، ولبيئته اللصيقة في الضاحية في أخص الخصوص. رسالة مفادها بأن عليكم التمعن جيدا بانفجار المرفأ الذي بلع البحر ثلثي قوته التدميرية، وتتخيلوا ماذا سيتبقى من الضاحية لو أن انفجارا مماثلا استهدفها سيّما في حال قتل حزب الله أحد الجنود الاسرائيليين ثأرا لمقتل أحد عناصره في سوريا؟. ولم ينسى نتنياهو أن يطلب من سكان الضاحية التحرك لإزالة مخازن الصواريخ والسلاح.

خرائط نتنياهو بالأمس التي أعقبها تحليق طيران صهيوني مكثف جنوبي بيروت وما حولها، تشي بأن هذا السيناريو المرعب ليس مستبعد الحصول، خصوصا وأن المنطقة تغلي من بيروت الى بغداد على وقع الصواريخ التي تستهدف السفارة والقواعد والشركات الأميركية.

ولهذا السبب هدّدت واشنطن بنقل سفارتها الى أربيل التي تعرضت القاعدة الأميركية فيها لقصف صاروخي من ميليشيات للحشد الشعبي الموالي لايران في أطراف الموصل، كما صرّحت حكومتا العراق وإقليم كردستان.

إنها الصواريخ التي تنطلق صلياتها في سياق المعركة المفتوحة التي تخوضها ايران عبر أدواتها لطرد اميركا من المنطقة ثأرا لمقتل جنرالها القوي قاسم سليماني، وهي الصواريخ التي ستسهم في تخصيب نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية بعد بضعة أسابيع، سبق وحدّدها أيضا الرئيس الفرنسي كمهلة نهائية لمبادرته اللبنانية.

واذ رفض ماكرون الذي اعترف بتعرضه لخيانة جماعية، التسليم بفشل مبادرته، أصر أن المسؤولين اللبنانيين هم الذين فشلوا لأنهم لم يغادروا مربع الفساد والمحاصصة وتقاسم النفوذ في جمهورية الأشلاء اللبنانية.

انها الجمهورية التي يحكم سيرها ومسيرها فيتو أميركي واضح بتشكيل حكومة بعيدا عن حزب الله، وفيتو حزبلّاهي يمنع تشكيل حكومة لا تضمه وفق شروطه بهدف حماية ظهر مقاومة لشدة أيرنتها لم يتبقى من لبنانيتها ما يغطي انكشاف عورتها، سيّما بعد اعلان توأمه في الثنائي الشيعي نبيه بري انجاز اتفاق اطار ترسيم الحدود البحرية والبرية مع الكيان الإسرائيلي والذي ينتظر حضور حامل لواء العقوبات الأميركية ديفيد شينكر لمتابعته رسميا.

انها العقوبات التي باتت سيفا اميركيا مسلطا لم يعد يميز بين الحزب وحلفائه، كما إنها العقوبات التي وفي ضوء الاستعصاء المستحكم في تشكيل حكومة جديدة، رغم محاولة عضو نادي رؤساء الحكومة السابقين نجيب ميقاتي تطوير تشكيلتها لتضم 6 وزراء دولة تسميهم الطوائف، و14 وزيرا من الاخصائيين المستقلين، يرجح أن ينضم مانويل ماكرون الى استلال سيوفها وفق الاسلوب الأميركي بوجه الطبقة السياسية الفاسدة التي يصر فيها ضمنا حزب الله وحليفه جبران باسيل انهما ليسا منها.

 

شارك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*