صلح الحسن وترسيم نصر الله…؟ بقلم: علي شندب

منذ المؤتمر الصحفي لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي عقده بداية الشهر الجاري وأعلن فيه عن “اتفاق الإطار لترسيم الحدود البحرية والبرية مع إسرائيل”، والذي صدقه وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينيتس، وصادق عليه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. بقيت الأنظار شاخصة إلى أسلوب ولغة حزب الله وتخريجته العلنية لموافقته على اتفاق الإطار بحذافيره.

انتظر اللبنانيون عامة وبيئة حزب الله والثنائي الشيعي خاصة أن يفكّ زعيم حزب الله شيفرة موقف حزبه المعروفة، وتجحيظها من المضمر إلى المعلن حول اتفاق الإطار خلال حديثه المفصلي في ذكرى أربعين الحسين أي بعد أسبوع على الإعلان عن اتفاق الإطار.

لكن المفاجأة أن نصرالله استهل كلامه بالقول إنه لا يريد التحدث في الأمور السياسية المحلية والإقليمية والدولية كما جرت العادة. مقصرا كلامه وخلافا للعادة على مناسبة “أربعينية الحسين” ومعلنا تأجيل الكلام السياسي لتوقيت مناسب.

وبهذا يكون نصرالله وباعترافه الشخصي، قد شذّ على عادة متأصلة في أدبيات الحزب بمناسبة أربعين الحسين، وهي المناسبة التي غالبا ما يستخدمها نصرالله لإجراء الاسقاط اللازم من خلالها على تطورات اللحظة السياسية الساخنة والباردة على السواء، لكنه قرّر الصيام عن الكلام المباح لذات صباح.

إلا أن كتلة حزب الله النيابية أصدرت بيانا مهدت فيه لإطلالة نصرالله الترسيمية قالت فيه “إن تحديد إحداثيات السيادة الوطنية مسؤولية الدولة المعنية إعلان أن هذه الأرض والمياه لبنانية”. وتابع بيان الكتلة الذي يعتبر أول كلام رسمي لحزب الله بخصوص الترسيم أنه “خلافا لكل الكلام أن الإطار التفاوضي حول استعادة أرضنا وصولا لترسيم مواقع سيادتنا لا صلة له على الإطلاق لا بسياق المصالحة مع إسرائيل ولا سياسات التطبيع التي انتهجتها وقد تنتهجها دول عربية لم تؤمن يوما بخيار المقاومة ولا تمارسه أمام عدو الأمة”.

إنها السيادة الوطنية التي ترى شرائح لبنانية واسعة أن حزب الله أكثر من أمعن في خرقها والتعدّي عليها، خلافا لموقف الدولة اللبنانية وبعيدا عن التنسيق معها عديد المرات داخل لبنان وخارجه وذلك لأهداف لا علاقة للبنان واللبنانيين بها، إلا في سياق تدفيعهم ثمن هذه الأهداف انهيارا اقتصاديا وماليا واجتماعيا وفوضى أهلية وأمنية. لكن حزب الله وبسلطته الاستنسابية التي قوّضت الدولة ومؤسّساتها، وحده من يقرّر مفهوم السيادة التي يعود للدولة تحديد إحداثياتها البرية والبحرية.

ويرجح أن عبارات “التنمّر السياسي” الذي تعرض له نصرالله وحزبه الممانع والتي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وراء صوم نصرالله عن الكلام الترسيمي في أربعينية الحسين. إنها عبارات التنمر التي باتت تقض مضجع حزب الله أكثر من قصف الطيران الصهيوني لمواقع الحزب وإيران وأذرعها في سوريا والعراق، كما وأكثر من الانفجارات الغامضة التي تشهدها إيران منذ أشهر.

إنه التنمّر الذي أنشأ حزب الله لمواجهته جيشا إلكترونيا يرصد كل ما يبث على الفضاء السيبراني فيعمل على إسكات المتنمّرين تارة بتهكير حسابات المتنمرين، وطورا بوصمهم بتهمة “العمالة لإسرائيل”، التي لطالما كانت تهمة بمثابة الطلقة التي تغتال من يوصم بها معنويا وسياسيا.

إنها التهمة التي لطالما تدفع ذوي المصاب بها إلى عزله وحجره والتبرؤ منه اجتماعيا، وبهذا يكون حزب الله قد تفوق من خلال استخدام هذه التهمة بوجه المشيرين إليه بإصبع الفساد الذي هتك ستر المجتمع وقوّض سيادة الدولة، على فيروس كورونا ومن قبل أن يولد.

وفيما حالة الموقف من إسرائيل، تتراوح بين الحرب أو السلم أو الهدنة أو الحياد كما بات يطرح البطريرك الماروني بشارة الراعي، فإن حزب الله اخترع “فتوى” سياسية تقول إن “المفاوضات حول الترسيم” لا ينطبق عليها لا الصلح ولا التطبيع، وذلك خلافا لما تراه شرائح لبنانية واسعة، وأيضا بخلاف ما يراه متنمرون ممانعون كثر.

ما يعني أن استثمار حزب الله ومن خلفه إيران على “المقاومة” ضد إسرائيل قد انتهى مفعوله لدى شرائح وطنية لبنانية يسارية وشيوعية، قومية سورية، بعثية وناصرية تناصب إسرائيل العداء من قبل ولادة حزب الله ولم تزل. شرائح ترى في إطلاق المفاوضات حول الترسيم تطبيعا مع الكيان الصهيوني. لأنها ترى (وخلافا لبعض الجهلة) في ترسيم الحدود اعترافا صريحا بواحا في كيان الدولة العبرية وحدودها شمال فلسطين المحتلة التي كان غياب ذكرها عن إعلان نبيه بري مدويا ولم يزل.

بدون شك كان وقع إعلان المفاوضات حول الترسيم في وجدان المعادين لإسرائيل في لبنان متماهيا في دقته مع مسار التطبيع في المنطقة، أكثر مما حاولت فتوى حزب الله السياسية تثبيته بأن مفاوضات الترسيم مختلفة عن المصالحات والتطبيع.

وبدون شك أيضا، أن صوم نصرالله الترسيمي تزامن مع بروز تفكّك في بيئة حزب الله خصوصا في بعلبك الهرمل. وما الخروج المتلفز للمواكب المسلّحة لشباب عشائر آل جعفر وشمص وغيرهما تحت ذريعة الثأر العشائري المتبادل إلا تعبير واضح عن تفكك البيئة التي لطالما شكلت حصنا آمنا لحزب الله.

كما تشي هذه المواكب المسلحة بفشل ذريع مني به حزب الله خصوصا في معالجة مشكلة الثأر المزمنة، أي أن العادات العشائرية المتأصلة تفوّقت على العقائد المستوردة. لاسيما أن خروج المواكب المسلحة لعشائر شمص، وجعفر وزعيتر وغيرهم في فترات متقطعة هو بدون شك خروج علني على سلطة الثنائي الشيعي وضمنا الدولة بعد إخفاقهم المتكرر بتشريع قانون للعفو العام يخرج أبناء هذه العشائر من السجون.

هذه التطورات المتسارعة في لبنان تتزامن مع حزمة عقوبات أميركية جديدة وغير مسبوقة تستهدف المصارف الإيرانية، وتتزامن مع كلام جدي عن عقوبات مماثلة ستستهدف المصارف الصديقة لحزب الله في المناطق الجغرافية التي يسيطر عليها الحزب الذي لم يزل زعيمه نصرالله يردد بأن رواتب مقاتليه تدفع لهم بالدولار الأميركي الطازج. ما ترك انطباعا سلبيا لدى بيئة حزب الله مفاده أن نصرالله غير مهتم سوى بمعيشة مقاتليه وأن على بقية “الشيعة” تدبر أمرهم، وهذا بالضبط ما تفعله المواكب العشائرية المسلحة في بعلبك الهرمل خصوصا بعد ما حكي عن بعض التضييق عليهم في بعض معابر التهريب مع سوريا.

باختصار فإن صوم نصرالله عن الكلام الترسيمي والفتوى السياسية لكتلة الحزب النيابية ينطلقان ممّا مهّد له نصرالله نفسه في خطابه الشهير ليلة عاشوراء التي اعتبر فيها أن “صلح الإمام الحسن قد حفظ الإسلام سنة 41 للهجرة”، فهو “الصلح الذي تطلب الكثير من الصبر والجهد وكظم الغيظ” بحسب نصرالله.

لكن ما الذي قصده نصرالله عبر استحضاره منذ شهر مضى لصلح الحسن، هل قصد المصالحة مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيم الدروز وليد جنبلاط، أم قصد رئيس تيار المستقبل وزعيم الأكثرية السنية سعد الحريري، أم قصد رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع أم قصد البطريرك الماروني بشارة الراعي أم قصد مطران بيروت الأرثوذوكسي إلياس عودة.. من قصد؟

بدون شك كل هؤلاء بنظر نصرالله وحزبه لا يستحقون صيام ساعة، فالوضع مع أغلبهم لا يحتاج لأي ترسيم بشهادة ربط النزاع والبيانات الوزارية المتوالية.

وحده الترسيم مع إسرائيل والاعتراف بها، ما يستحق أن يرتقي لمستوى استحضار نصرالله “صلح الحسن لا ثورة الحسين”، وذلك بهدف تأمين التغطية الفقهية للاستدارة المطلوبة في المعركة الوجودية المحدقة بحزب الله قبل إيران. إنها المعركة التي تتطلب صبرا وكظما للغيظ وتقديما للتنازلات الصعبة، كتلك التي قدمها الامام الحسن لمعاوية بن أبي سفيان قبل أن يصبح خليفة.

لكنها التنازلات التي لا تشبه تخوّف سعد الحريري من حرب أهلية رغم تجرعه السمّ، ولا طريق ميشال عون إلى جهنم. إنها التنازلات التي يرجح أن يقدم عليها نصرالله وحزبه لكن ليس إلى لبنان واللبنانيين، ولا إلى فرنسا ومبادرة ماكرون الإصلاحية، وإنما لإسرائيل العدوة وعبر أميركا الشيطان الأكبر سابقا.

 

 

شارك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*